الاثنين، 5 يوليو، 2010

الظاهر المتبادر إلى الذهن - التأويل

نسخة قابلة للطباعة من الموضوع
إضغط هنا لمشاهدة الموضوع بهيئته الأصلية
منتديات الجامع الإسلامية _ الرد على الشبهات _ ارجو الرد سريعا يا اخواني ارجوكم

كاتب الموضوع: سليم محمد Apr 6 2010, 09:36 PM
لو سمحتم يا اخواني عندي سؤال وهو لماذا ياخذون اهل السنه بظاهر صفات الله سبحانه وتعاله في القران ؟ولماذا يرفضون التاويل ؟ وهل معني انهم يرفضون التاويل انهم ياخذون بظاهر اللفظ في جميع ايات القران الكريم مثال في قوله تعالي واسال القريه او في قوله تعالي فنفخنا فيه من روحنا انهم يفسرونها ان يسال القريه اي الجدران وان الله نفخ في عيسي من روحه التي هي منه وشكرا يا اخواني وارجو الرد سريعا
كاتب الموضوع: مهاجر Apr 7 2010, 07:44 AM
مرحبا بك أخي سليم .

ولك الشكر .


لا يلزم من الأخذ بظاهر قوله تعالى : (واسأل القرية) : سؤال الجدران ، فالقرية مشتقة من معنى الجمع في نحو قولك : قريت الماء في الحوض ، أي : جمعته ، ومعنى الجمع يصح إطلاقه على الجمع للأبنية الجامدة ، والجمع لأهل القرية الأحياء ، وهو المراد هنا لقرينة : "واسأل" فالسؤال سينصرف بداهة بمقتضى ظاهر اللفظ إلى السكان العقلاء لا الجدران الجامدة التي لا تعقل .

وفي قوله تعالى : (وروح منه) : لا يلزم من الأخذ بظاهره أن روح عيسى عليه السلام جزء من الرب ، جل وعلا ، بل : "من" هنا لابتداء الغاية فهي كقولك : خرجت من المنزل ، فابتداء خروجك من المنزل ولا يعني ذلك أنك جزء من المنزل قد انفصل عنه ، فذلك باطل بداهة ، وأما الإضافة إلى الرب ، جل وعلا ، فهي إضافة تشريف من قبيل قولك : بيت الله الحرام ، فأضيف المخلوق إلى خالقه تشريفا له وتنويها بذكره ، فكذلك روح المسيح عليه السلام روح شريفة خلقها معجز فاستحقت الإضافة إلى الرب ، جل وعلا ، من هذا الوجه ، لا أنها جزء من الرب ، جل وعلا ، وكل ذلك مما عرفته العرب في كلامها فليس فيه تأويل لجريانه على مقتضى اللسان العربي .

والله أعلى وأعلم .

كاتب الموضوع: سليم محمد Apr 7 2010, 01:02 PM
شكرا لك يا اخي علي هذا الرد الجميل ولكنك لم ترد علي سؤالي يا اخي وهو لماذا ياخذون اهل السنه بظاهر الصفات ولماذا يرفضون التاويل وهل معني انهم يرفضون التاويل انهم ياخذون بظاهر الالفاظ في جميع ايات القران وكيف ياخذون بظاهر الالفاظ اريد مثلا وشكرا لك يا اخي
كاتب الموضوع: مهاجر Apr 8 2010, 07:55 AM
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته .

عذرا على التأخر في الرد ، إن قدر لي الرب ، جل وعلا ، سأحاول الرد على مداخلتك ، غدا إن شاء الله ، وإجمالا بإمكانك أخي سليم أن تقول بأنهم يردون التأويل في باب الصفات لأنه خلاف الأصل فلا يعدل عنه إلا بقرينة ، والقرينة في الأخبار الغيبية ومنها الصفات الإلهية لا بد أن تكون لفظية من نفس النص فلا يكون تأويل حينئذ لأن السياق نفسه قد دل على المعنى المراد دون الحاجة إلى قرينة عقلية كسائر قرائن المؤولة في باب الصفات الإلهية فالقرينة العقلية لا تصلح إلا في أمر يدرك العقل حقيقته ، والعقل إن أدرك معاني الصفات الربانية إلا أنه يعجز بداهة عن إدراك حقائق صفات الرب ، جل وعلا ، فليس كمثله شيء ولا يعلم كنه ذاته وصفاته إلا هو ، وإنما تعبدنا الرب ، جل وعلا ، بإثبات المعاني لا بإدراك الحقائق فذلك أمر فوق طاقتنا العقلية ولذلك لم يتوجه به التكليف إلينا فلا تكليف إلا بمقدور وهو في هذا الباب : إثبات معاني الصفات وحملها على ظواهرها مع نفي علم الكيف ونفي مشابهته لكيف صفات البشر وإن اشترك معها في المعاني الكلية المطلقة في الأذهان فلا يلزم من ذلك وقوع التماثل أو التشابه في الكيف .

والله أعلى وأعلم .


كاتب الموضوع: سليم محمد Apr 8 2010, 12:27 PM
شكرا لك يا اخي علي هذا الرد ولكني اثقل عليك حيث اريد ان افهم هل اهل السنه يردون التاويل بصفه عامه في كل القران وكيف يردونه مع ذكر مثل وهل ياخذون بظاهر اللفظ في كل القران واذا كان ياخذون بظاهر اللفظ في كل القران كيف يحدث ذلك اريد مثال يوضح كيف ياخذون بظاهر اللفظ في كل القران وشكرا لك يا اخي الحبيب علي تعبك معي
كاتب الموضوع: مهاجر Apr 9 2010, 08:20 AM
والشكر لك أخي سليم أيها الكريم .

بإمكانك تأمل هذه الأمثلة لعل الله ، عز وجل ، أن ينفعك بها :

ففي نحو قوله تعالى : (الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى) : أهل السنة يثبتون صفة الاستواء ، وهو علو خاص على العرش سقف المخلوقات ، فلا يثبت إلا بالخبر ، وثبوت الصفات لله ، عز وجل ، الأصل فيه الخبر الصحيح من الكتاب والسنة فهذا فرقان بين أهل السنة وبين المتكلمين فالعقل تابع للنص بخلاف المتكلمين الذين يقدمون العقل على النص ، فهذا أصل أخي سليم في نصوص الصفات عموما ، وفي الصفات الخبرية خصوصا ، كالاستواء مثلا ، فهذه لا تثبت إلا بالخبر ، فالعقل يدرك علو الخالق ، عز وجل ، عموما ، فللعقل مع النص دور في إثباته ، بخلاف العلو الخاص فوق العرش ، فهو مما لا يوجبه العقل كالعلو الذاتي العام ، فتكون دلالة الخبر هنا أقوى وأظهر ، من الصفات التي تثبت بالنص والعقل معا ، وإن كان النص مقدما في كليهما ، ولكن تقديمه أظهر في النصوص الخبرية المحضة كنصوص الاستواء ، والشاهد أن الخبر أصل أهل السنة في هذا الباب ، فلذلك ردوا تأويل صفة الاستواء بالاستيلاء لما يلزم من ذلك من لوازم باطلة من منازعة غيره له ، عز وجل ، في الاستيلاء على العرش الذي هو خلق من خلقه ، فمن ذا الذي ينازع الله ، عز وجل ، خلقه ؟! ، ومن جواز القول على هذا التأويل بأن الله ، عز وجل ، مستو على كل خلقه ، فلقائل أن يقول بأنه مستو على مواضع القذر من خلاء ونحوه فإذا ما أنكر عليه منكر فإنه سيروغ بقوله : ما قصدت إلا الاستيلاء ، فالرب مستول على الكون كله بما فيه مواضع القذر ، فيفحم بذلك المؤول الذي يؤول الاستواء بالاستيلاء بخلاف من أجراه على ظاهره ، وهي طريقة أهل السنة المطردة في هذا الباب ، فإنه لا يلزمه من ذلك شيء لأنه يفسر الاستواء بما قد دل عليه لفظ الاستواء في لغة العرب من العلو والارتفاع ، ومن جهة أخرى ، وذلك أصل آخر فارق بين أهل السنة والمتكلمين ، القرينة التي اعتمدها المتكلمون في التأويل قرينة عقلية محضة ، فإنهم يقولون : يلزم من استوائه على عرشه أنه يفتقر إليه كما يفتقر ملوك الدنيا الذين يستوون على عروشهم إلى ما تحتهم ، فإذا ما زال من تحته فإنه سيهوي كما يهوي من يجلس فوق مقعد أو أريكة إذا ما زالت من تحته ! ، وهذا معنى باطل فيلزم إذن نفي صفة الاستواء أو تأويلها بأي معنى آخر كالاستيلاء ، وهذه بطبيعة الحال قرينة باطلة فهي قياس للخالق ، عز وجل ، الكامل في ذاته وصفاته على المخلوق الناقص في ذاته وصفاته ، وذلك قياس مع الفارق ، وهو قياس لغيب لم تره العيون في دار الابتلاء على شهادة تراها العيون فنرى ملوك الدنيا قد استووا على عروشهم ، وذلك قياس غائب على شاهد ، وهو قياس فاسد ، أيضا ، فمن قال بأن حقيقة استواء الله ، عز وجل ، كحقيقة استواء المخلوق ؟! ، وإن اشتركا في معنى الاستواء المطلق في الذهن ، فالاشتراك في المعنى الكلي الجامع لا يلزم منه الاشتراك في الحقيقة والكيفية خارج الذهن ، فالأول مطلق في الذهن والثاني مقيد في خارجه بالذات المتصفة به ، فلكلٍ حقيقة تليق بذاته ، فحقيقة صفات الرب ، جل وعلا ، فرع عن ذاته المتصفة بها ، فكمالها من كمال الذات القدسية ، وحقيقة صفات العبد فرع عن ذاته المتصفة بها فنقصانها من نقصان ذاته ، وعدم إدراك حقيقة صفات الرب ، جل وعلا ، بالعقل الذي اعتمدوه أصلا في هذا الباب من عدم إدراك حقيقة الذات القدسية فمن ذا الذي يدرك حقيقة ذات الرب ، جل وعلا ، أصلا ليدرك حقيقة صفاته العلى فرعا عن ذلك ؟! ، فقياسهم قياس تمثيل للخالق بالمخلوق ، أو قياس شمول بإدراج الخالق والمخلوق معا تحت قاعدة كلية : فكل مستو على شيء مفتقر إليه ! ، فيلزم من ذلك افتقار ملك الملوك ، جل وعلا ، إلى عرشه وافتقار ملوك الدنيا إلى عروشهم فالباب واحد ! ، وهذا باطل بداهة ، بل إنه حتى في عالم الشهادة لا يطرد ، فهذه السماء فوق الأرض ، فهي مستوية عليها من هذا الوجه ومع ذلك لا تفتقر إليها ، فإذا استغنى مخلوق عن مخلوق مع علوه وارتفاعه عنه ، فكيف بالخالق ، عز وجل ، الغني المنزه عن كل صور الافتقار ، العلي بذاته وصفاته وشأنه وقهره لعباده ، المستوي على أعظم مخلوقاته استواء يليق بجلاله كيف يتطرق إلى الذهن أن حقيقة استوائه كحقيقة استواء المخلوق ، فالإشكال عند المتكلمين أنهم ينطلقون في تأويلاتهم من منطلق عقلي ، فالقرينة العقلية عندهم أصل ، وهذا باب لا يستقل العقل فيه بالإثبات أو النفي ، لأنه باب غيبي خبري محض ، فالعمدة فيه : إثباتا أو نفيا : خبر الوحي الصحيح من كتاب أو سنة لا التخرص والظن بقياس عقول مضطربة تتباين تأويلاتها تبعا لتباين أقيستها فما قبله عقل فلان فأثبته رده عقل فلان فأنكره ! ، فمن يحسم النزاع فيه هذا الباب الجليل إلا نص الكتاب العزيز أو السنة المطهرة ، فهما مصدر الأخبار الصحيحة في كل مسائل الديانة أخبارا كانت أو أحكاما ، ولو نظرت أخي سليم في هذا الأصل وجدته يعم أيضا مسائل الأحكام كما يعم مسائل الأخبار ، فالعلمانيون في زماننا ، على سبيل المثال ، يقدمون العقل على النص ، ولكن في مسائل الأحكام لا في مسائل الأخبار ، فيقعون في جنس ما يقع فيه المتكلمون من الحيرة والاضطراب فلا يقبلون حكم الشريعة بزعم حرية العقل والفكر ، ثم هم ، أيضا ، مضطربون تتباين أحكامهم العقلية التي مستندها الرئيس : الهوى فما استحسنه عقل فلان فإنه يثبته فيجعله شرعا ملزما وإن كان مخالفا للشرع المنزل بل حتى لقياس العقول الصريحة والفطر السوية فعقول تستحسن الشذوذ فتجعله حقا من حقوق المواطن يكفله له الدستور فذلك من قبيل الحريات العامة ! ، كما يجري في برلمانات أوروبا التي تسن القوانين المبيحة بل الحامية للشواذ باعتبارهم شريحة من شرائح المجتمع فلها نفس ما للأسوياء من الحقوق ، وفي المقابل ما استقبحه عقل فلان فإنه ينكره فيبطله ولو كان عين ما نص عليه الشرع المنزل كمن يستقبح النقاب ، كما يجري الآن في أوروبا من حرب شعواء على النقاب فهو بقياس عقل من يستقبحه : يهدر كرامة المرأة ، وكمن يبطل الحدود الشرعية من قصاص وقطع ..... إلخ ، فإنها بقياس عقل من يستقبحها : وحشية ! ، فيقال هنا أيضا : من يحسم النزاع بين تلك العقول المضطربة المتفاوتة التي تتضارب أحكامها تبعا لتضارب أهوائها ، من يحسم النزاع بينها إلا الكتاب المنزل ، فيرجع الأمر هنا ، أيضا ، إلى خبر الوحي الذي لا يتلقى إلا من مشكاة النبوات ، فالنبوات ، ولا نبوات صحيحة في زماننا إلا النبوة الخاتمة فهي المحفوظة من التبديل بحفظ الرب العزيز جل وعلا لها ، النبوات هي مصدر التلقي في أمور الديانات عامة وأمور الخبريات كالأسماء والصفات خاصة ، فدلالة الخبر الصحيح فيها أظهر لكونها غيبا من كل وجه بخلاف الأحكام الشرعية فإن العقل يدرك كثيرا من عللها لا سيما في مسائل المعاملات التي يسوغ الاجتهاد والاختلاف فيها مع كون الحق فيها واحدا ، بينما الأخبار لا يتصور وقوع الخلاف السائغ فيها فيثبت عقل صفة للرب ، جل وعلا ، وينفيها آخر تبعا لقياس كلٍ ، وقل مثله أيضا أخي سليم في أمور الزهد والأخلاق ، فمن غلا فيها حتى خرج عن حد الاعتدال كرهبان النصارى ومن سار على طريقتهم من الإسلاميين من أهل الطريق ، فلسان حاله : تقديم ذوقه على خبر الوحي ، فهو يرى أن الغلو المنهي عنه أصلح لحاله وأطهر لقلبه فلا يسعه ما وسع المرسلين عليهم السلام من مباشرة أجناس الحلال الطيب من طعام وشراب ونكاح ..... إلخ ، فهو ، أيضا ، ممن جفا في حق النبوات بتقديم ذوقه على خبرها ، فصار الأصل عند أهل السنة : تقديم الوحي على كل مصادر التلقي الأخرى من عقل في الإلهيات من أسماء وصفات وحكميات من حلال وحرام ، وذوق أو كشف أو رؤى منامية في أمور الزهد والأخلاق ، فالعمدة عندهم : الوحي وما بعده تبع له فلا يقدم عليه بخلاف غيرهم ممن عزل الوحي عن منصب القيادة وولى عقله أو ذوقه ....... إلخ ، فهذا عند التحقيق سبب الخلاف الرئيس بين أهل الإسلام وغيرهم من الملل ، وأهل السنة وغيرهم من النحل ، فلا يتوقف على أخبار الصفات فقط بل يتعداه إلى سائر أخبار وأحكام الديانة . فلو أن القوم اقتصروا على ما أذن به الرب ، جل وعلا ، من التفكر في معاني صفات الرب ، جل وعلا ، دون البحث والتنقير عن حقائقها فذلك مما لا يطيقه العقل أصلا ، ولذلك لم يرد به تكليف شرعي ، بل قد ورد النهي عنه ، فالتفكر في ذات الله ، عز وجل ، وصفاته من جهة الكيف محظور لما يؤدي إليه من الوساوس والشكوك فصاحبه سينتهي حتما إلى تشبيه الرب ، جل وعلا بسائر خلقه ، أو نفي صفاته ، جل وعلا ، فيقيسها أولا على صفات المخلوقات فتنفر نفسه من ذلك فيضطر ، لزوما لما لا يلزم ابتداء ولكنه ألزم نفسه به بتنطعه وتكلفه البحث فيما لم يؤمر بالبحث فيه بل قد نهي عنه ، فيضطر إلى نفي الصفة من أصلها فرارا من نتيجة القياس الفاسد لصفات الرب ، جل وعلا ، على صفات المخلوق بخلاف التفكر في المعاني الكلية فإنه مشروع فيتفكر الإنسان في عظمة الرب ، جل وعلا ، وكرمه وحلمه ..... إلخ ، فذلك لا يلزم منه تشبيه أو تمثيل لأنه تفكر في أمور ذهنية مطلقة دون البحث عن حقائقها وكيفياتها فليس ذلك من مقدور العقل ، فلا تكليف به ، كما تقدم ، إذ لا تكليف إلا بمقدور .

فهذا مثال يوضح ردهم للتأويل .

وأما إثباتهم للظاهر فهو ينقسم إلى نوعين :
إثبات ظاهر صريح بالنظر إلى معنى اللفظ الدال على الصفة كإثبات صفة اليد في نحو قوله تعالى : (قَالَ يَا إِبْلِيسُ مَا مَنَعَكَ أَنْ تَسْجُدَ لِمَا خَلَقْتُ بِيَدَيَّ) : فيثبت لله ، عز وجل ، يدان تليقان بذاته القدسية ، فالمعنى ثابت محكم ، والكيف كما تقدم ، متشابه لا تدركه العقول فلم ير يد الرب ، جل وعلا ، أحد ليحد لكيفيتها حدا بعقله ، ولم ير لها نظير فليس كمثله شيء ، ولم يأت خبر صادق عن الكيف لنصدقه وإنما ورد الخبر بإثبات الصفة فيثبت المعنى فهو من المحكم ، ويفوض الكيف فهو المتشابه ، فالخوض فيه كما تقدم سيؤدي لا محالة إما إلى التشبيه بأيدي المخلوقين أو التعطيل بقياسها أولا على أيدي المخلوقين ثم الفرار من تلك النتيجة الباطلة بنفي الصفة رأسا أو تأويلها بالقوة أو القدرة أو النعمة ....... إلخ وقرينة التثنية في : "بيدي" مبطلة لكل تلك التأويلات فالقوة والقدرة مصادر والمصادر في اللغة لا تثنى فهي بمنزلة أسماء الأجناس الإفرادية كالإيمان تدل على المعنى قليله وكثيره ، صغيره وكبيره ، فلا معنى لتثنيتها ، ونعم الرب ، جل وعلا ، متواترة لا يحصيها محص فــ : (إِنْ تَعُدُّوا نِعْمَةَ اللَّهِ لَا تُحْصُوهَا إِنَّ اللَّهَ لَغَفُورٌ رَحِيمٌ) فقصرها على نعمتين فقط معنى باطل بداهة فلا شاهد لتأويلهم لا من الشرع ، ولا من العقل الذي يدعون انتحاله ، ولا من اللغة الت نزل بها الكتاب العزيز .

ومن أنواع الظاهر وهو ما قد يعتقد المؤولة أنه تأويل وليس كذلك :
إثبات الظاهر بالنظر إلى الدلالة الحملية أو التركيبية للكلام فلا ينظر إلى الألفاظ منفردة وإنما ينظر إليها في إطار السياق الذي وردت فيه ، فهو أصل في معرفة مراد المتكلم عموما ، وفي هذا الباب خصوصا ، فلا يستقطع اللفظ من سياقه وإنما يفسر بالنظر إلى دلالته المعجمية ودلالته السياقية التي تعين المعنى المراد .
فمن ذلك على سبيل المثال :
في قوله تعالى : (وَقَالَتِ الْيَهُودُ يَدُ اللَّهِ مَغْلُولَةٌ غُلَّتْ أَيْدِيهِمْ وَلُعِنُوا بِمَا قَالُوا بَلْ يَدَاهُ مَبْسُوطَتَانِ يُنْفِقُ كَيْفَ يَشَاءُ) : قد يفسر قوله تعالى : (بَلْ يَدَاهُ مَبْسُوطَتَانِ) بأنه كناية عن سعة كرمه وعظيم نعمه ، جل وعلا ، على عباده ، فيسارع المؤول إلى إلزام أهل السنة بالتأويل ، لأنهم فسروا اليد بالنعمة ، وليس ذلك بلازم ، لأنهم فسروا الصفة هنا بلازمها وهو النعمة ، فلم ينفوا صفة اليد وإنما أثبتوها وأثبتوا لازمها بخلاف المؤول الذي ينفي صفة اليد فلا يثبتها ابتداء بل يؤولها بالنعمة ، فاليد عنده ليست ثابتة ابتداء ، كما هي ثابتة عند أهل السنة ، ثم يقال بعد ذلك بأن أهل السنة إنما فسروا الصفة بلازمها في هذا الموضع بعينه لقرينة السياق فهو يرد على يهود دعواهم أن يد الله مغلولة : غلت أيديهم ولعنوا بما قالوا ، فهذا اتهام فاحش للرب ، جل وعلا ، بالبخل ، فالرد عليه بداهة : إثبات وصف الكرم لله ، عز وجل ، ولما كان المعهود في لسان العرب الذي نزل به الوحي استعمال بسط اليد في الدلالة على الكرم ، فذلك مما تكلمت به العرب فهو حقيقة في لسانها لا مجاز ليصح قول المؤولة بأن ذلك صرف لظاهر اللفظ الراجح إلى معنى مرجوح لقرينة ، وهذا حد التأويل عندنا ، وليس ذلك بصحيح لأن ذلك ليس صرفا للفظ عن ظاهره المتبادر بل ظاهره المتبادر في هذا السياق بعينه هو إثبات صفة الكرم لله ، عز وجل ، بطريق اللزوم ، فلازم بسط اليد في سياق نفي تهمة البخل ، لازمه : إثبات ضدها من الكرم ولا يلزم من إثبات لازم الصفة نفي أصلها بل هما متلازمان فالمطرد عقلا إثبات الأصل وإثبات الفرع ، أو إثبات الملزوم الذي هو الصفة ، وإثبات لازمها من الكرم ، فضلا عن قرينة : (يُنْفِقُ كَيْفَ يَشَاءُ) ، فذلك من قبيل البيان لما قبله وهو نص في الإنفاق الذي هو مظنة الكرم والنعمة : المراد في هذا السياق بعينه كما تقدم ، ويقال هنا أيضا : بفساد المعنى إذا ما أولت اليد بالنعمة ، لورود اللفظ مثنى ، وتثنية النعمة أمر لا يستقيم معه هذا النص ، فضلا عن معارضته لنصوص من قبيل : (وَإِنْ تَعُدُّوا نِعْمَةَ اللَّهِ لَا تُحْصُوهَا) ، فليست اثنتان فقط ، كما تقدم ، والشاهد أن ذلك ليس من التأويل في شيء ، لأنه تفسير اعتمد على القرينة السياقية وهي قرينة لفظية معتبرة فلم يعتمد كتأويلات المتكلمين على قرينة عقلية محضة ، فضلا عن أنه لم يلزم منه نفي الصفة ، بل الصفة ولازمها كلاهما ثابتان ، بخلاف تأويل المتكلمين فقد لزم منه بل وجب بإثبات وقوعه : نفي الصفة ، فأثبت لازم الصفة ونفي أصلها ، وذلك أمر باطل بقياس العقل الذي يدعون انتحاله فكيف يثبت لازم بلا ملزومه ؟! .

ومثله أيضا أخي سليم :
قوله تعالى : (هُوَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ يَعْلَمُ مَا يَلِجُ فِي الْأَرْضِ وَمَا يَخْرُجُ مِنْهَا وَمَا يَنْزِلُ مِنَ السَّمَاءِ وَمَا يَعْرُجُ فِيهَا وَهُوَ مَعَكُمْ أَيْنَ مَا كُنْتُمْ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ) : فالمعية في هذه السياق هي معية العلم والإحاطة ، وليس ذلك بتأويل أيضا ، وإنما نظر إلى اللفظ في إطار السياق الذي ورد فيه فينظر إلى دلالته المعجمية وهي مطلق المصاحبة ، وينظر إلى دلالته الحملية أو التركيبية في إطار السياق الذي ورد فيه فهو مبدوء بالعلم : (يَعْلَمُ مَا يَلِجُ فِي الْأَرْضِ وَمَا يَخْرُجُ مِنْهَا وَمَا يَنْزِلُ مِنَ السَّمَاءِ وَمَا يَعْرُجُ فِيهَا) ، منته به : (وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ) ، فتلك قرينة سياقية لفظية رجحت معنى المعية العلمية في هذا السياق ، فلكل سياق قرائنه التي تحتف بألفاظه فترجح معنى على آخر ، ففي نحو قوله تعالى : (قَالَا رَبَّنَا إِنَّنَا نَخَافُ أَنْ يَفْرُطَ عَلَيْنَا أَوْ أَنْ يَطْغَى (45) قَالَ لَا تَخَافَا إِنَّنِي مَعَكُمَا أَسْمَعُ وَأَرَى) ، و : (إِنَّ اللَّهَ مَعَ الَّذِينَ اتَّقَوْا وَالَّذِينَ هُمْ مُحْسِنُونَ) : القرينة السياقية قد دلت على إرادة معية أخرى غير المعية العلمية فالمعية العلمية ثابتة لكل الخلائق مؤمنهم وكافرهم ، برهم وفاجرهم ، فلا معنى زائد فيها يختص به موسى وهارون عليهما السلام ، ويختص به المتقون والمحسنون ، فلزم من ورود هذا اللفظ في سياق يدل على معاني التأييد والتثبيت أن المراد هنا : معية النصرة ، كما يقول الإنسان في معرض الدعاء لصاحبه بالتوفيق والسداد : الله معك : أي معك ينصرك ويؤيدك لا معك بذاته كما يقول أهل الحلول والاتحاد ، أو : بعلمه فذلك ثابت دعا به الإنسان أو لم يدع .

والشاهد من ذلك أخي سليم : أنه ليس بتأويل كما قد يتصور المتكلمون بادي الرأي ، بل هو تفسير قد اعتمد على قرينة سياقية لفظية معتبرة لا قرينة عقلية متوهمة ، ولك أن تسميه تأويلا إذا قصدت بذلك : التفسير ، فذلك تفسير فعلا ، ولكنه تفسير قد اعتمد على قرائن معتبرة فلم يعتمد كتأويلات المتكلمين على تخرص وظن لا يغني من الحق شيئا .

والله أعلى وأعلم .

عذرا على الإطالة أخي سليم .

وجزاك الله خيرا أيها الكريم .


كاتب الموضوع: سليم محمد Apr 9 2010, 01:18 PM
شكرا لك اخي مهاجر علي هذا المجهود العظيم ولكني لي سؤال اخير وهو هل اهل السنه ياخذون بالظاهر اوبظاهر اللفظ في كل القران غير ايات الصفات؟؟ وشكرا لك يا اخي مهاجر
كاتب الموضوع: مهاجر Apr 10 2010, 09:00 AM
والشكر لك مجددا أخي سليم .

بإمكانك أيها الكريم أن ترتب الأمر كالتالي :
أولا : التأويل في باب الأسماء والصفات محظور لما تقدم من توقيفية الباب ، فلا تصلح القرائن العقلية التي يعتمدها المتكلمون في بحثهم لصرف النص عن ظاهره .
ثانيا : تأويلات الغلاة من المنتسبين إلى القبلة كالإسماعيلية والدروز والنصيرية الذين يؤولون حتى الأحكام الشرعية التي قد علمت بالضرورة الدينية كالصلوات المفروضة ، والزكاة ، والصيام ، والحج ...... إلخ ، فتكون الصلوات المكتوبة أسماء خمس أئمة ! ، والصيام هو إمساك سر الطائفة ، والحج هو السفر إلى المشايخ لا إلى البيت الحرام ، ومثلها تأويلات الفلاسفة لنصوص المعاد واليوم الآخر وحملها على معان مجازية أو إنكار بعث الأجساد بتأول النصوص الدالة على ذلك ، فكل تلك التأويلات باطلة ، وأصحابها مرتدون بأعيانهم ، إن كان قد ثبت لهم عقد إسلام أصلا ! ، لإنكارهم معلوما من الدين بالضرورة ، فتأويل مباني الإسلام وشرائعه الظاهرة المتواترة التي يعلمها كل أحد زندقة صريحة ، فهي أغلظ من تأويل الصفات ، فلم يعرف أحد من أهل العلم قد كفر أهل التأويل من المتكلمين بل المعتزلة أشد غلوا منهم في هذا الباب فقد نفوا الصفات جميعا إلا ثلاثا ، ومع ذلك يقال بأن أقوالهم كفرية محضة ولا يكفر المعين منهم إلا بعد إقامة الحجة الرسالية ، فإن مؤول الصفات قد يأتي بمعنى صحيح ، ولو بعيدا ، فضلا عن أنه معذور في أغلب الأحيان ، فما أراد إلا تنزيه الرب ، جل وعلا ، ولكنه أخطأ الطريق ، بخلاف مؤول الأحكام الظاهرة فإنه يأتي بمعان وتأويلات هي من جنس تأويلات الباطنية ، فلا تمت للظاهر بصلة ولو بعيدة ، إذ ما العلاقة مثلا بين الجنابة الشرعية المعهودة التي توجب الغسل وإفشاء سر الطائفة ؟! ، وهل هذا إلا هدم لدين الإسلام بتأويل أركانه وأحكامه الضرورية ، فلا يتصور أن هؤلاء كالمتكلمين الذين راموا التنزيه ، فهؤلاء راموا إبطال الديانة جملة وتفصيلا ، وتاريخهم الماضي والمعاصر شاهد بأنهم ما ادعوا الإسلام إلا نفاقا ليفسدوه بتلك التأويلات فأغلبهم من الأمم المغلوبة التي قهرها سيف الإسلام ، فراموا الثأر منه بإفساد عقائد المسلمين بتلك التأويلات الباطلة ، تماما كما فعل بولس اليهودي في دين النصارى لما ادعى الإيمان بالمسيح عليه السلام ثم أحدث في دينه ما أحدث ، وشاهد بأنهم يد على المسلمين مع كل عدو يغزو بلادهم فقد كانوا مع الصليبيين قديما وحديثا ، كما فعل النصيرية في الشام لما تحالفوا مع الاحتلال الفرنسي الذي قربهم واصطفاهم كحال المحتل دائما في اصطفاء العناصر الخائنة المتواطئة فذلك من جنس اصطفاء الأمريكان للرافضة في العراق بعد الاحتلال الأخير ، وكانوا مع المغول لما اقتحموا بغداد وغزوا الشام ، فإفسادهم للأديان والأبدان معا .

ثالثا : ويلتحق بذلك تأويلات أطلق عليها أهل العلم اللعب كتأويل الرافضة البقرة في قوله تعالى : (إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تَذْبَحُوا بَقَرَةً) : بعائشة ام المؤمنين رضي الله عنها ! ، فلا قرينة من نص أو سبب نزول أو عقل أو أي وسيلة من وسائل الإدراك الصحيح تشهد بصحة هذا الهذيان أو حتى احتماله ولو احتمالا بعيدا ، فذلك أيضا من جنس التأويلات الباطلة وهو مئنة من زندقة قائله .
رابعا : التأويلات التي يستعملها النصارى ، كما تقدم من قوله تعالى : (وَرُوحٌ مِنْهُ) ، فهي أيضا تأويلات باطلة ، وفيها من الجهل وقلة الفقه بلغة العرب ما يجعل الناظر فيها يكاد يجزم بأنهم لا يعرفون إذا ما كانت "من" في قوله تعالى : "وَرُوحٌ مِنْهُ" حرفا أو اسما ؟! فضلا عن أن يدركوا طرائق اللسان العربي وشواهده في مسائل كابتداء الغاية كما سبق في هذه الآية ، وإضافة التشريف في نحو قوله تعالى : (وَنَفَخْتُ فِيهِ مِنْ رُوحِي) ، فهي روح مخلوقة أضيفت إلى الخالق ، عز وجل ، تشريفا ، ودلالات لفظ الروح في نحو قوله تعالى : (وَالَّتِي أَحْصَنَتْ فَرْجَهَا فَنَفَخْنَا فِيهَا مِنْ رُوحِنَا) ، فيحتمل الروح الأمين فابتداء النفخة في جيب درع البتول عليها السلام كان منه ، أو المسيح عليه السلام فهو روح من جملة الأرواح التي ابتدأ الله ، عز وجل ، خلقها ، والإضافة في "روحنا" على كلا الوجهين : إضافة مخلوق إلى خالقه على جهة التشريف أيضا ، وإطلاق السبب وإرادة المسبَّب في نحو قوله تعالى : (وَكَلِمَتُهُ أَلْقَاهَا إِلَى مَرْيَمَ) : فأطلق الكلمة التكوينية فهي السبب ، وأراد المسبَّب الناتج عنها وهو المسيح عليه السلام ، وذلك أيضا أمر قد عهد في لسان العرب كما في قول الشاعر :
أكلتِ دما إن لم أرعك بضرة ******* بعيدة مهوى القرط طيبة النشر
فأطلق السبب وهو القتل ، وأراد المسبَّب وهو الدية ، فالمعنى : أكلت ديتي من قاتلي فهو يدعو على نفسه بالقتل .
فالشاهد أنهم بطبيعة الحال لا يعرفون شيئا من طرائق اللسان العربي وإنما يتمسكون بالمتشابه في سطحية تدل على عظم الجهل وسوء المقصد فذلك حال أي متتبع للمتشابه لينصر مقالته ولو بالباطل .

خامسا : التأويلات التي أطلق عليها أهل العلم : التأويلات البعيدة في باب الأحكام كحمل الحنفية رحمهم الله المرأة في قوله صلى الله عليه وعلى آله وسلم : "أيما امرأة نكحت ....." على المكاتبة وهي الأمة التي كاتبها سيدها على مال تؤديه إليه نظير عتقها ، فتلك صورة بعيدة يحمل فيها عموم : "امرأة" فهي نكرة في سياق شرط تفيد العموم فضلا عن التوكيد بــ : "ما" المزيدة ، فكل ذلك مما يجعلها نصا في عموم النساء ، فحملها على صورة المكاتبة وهي نادرة بل معدومة في زماننا تأويل بعيد فالنادر لا حكم له ، فيرد هذا التأويل من هذا الوجه .

فهذه الأنواع الخمسة ، أخي سليم ، قد تنوعت فمنها تأويل لأخبار ، ومنها تأويل لأحكام سواء أكانت أصولا ومبان كتأويل مباني الإسلام ، أو تأويل فروع كتأويل الحنفية رحمهم الله ، وكلها يجمعها : حكم البطلان ، وإن كان بعضها أبطل من بعض فليس التأويل في مسألة كمسألة الولي في النكاح ، والخلاف فيها معروف في كتاب النكاح ، ليس التأويل في مسألة كهذه ، كتأويل الصلاة بأسماء الأئمة ، وليس تأويل الصفات إرادة تنزيه الرب ، جل وعلا ، وإن أخطأ المنزه ، ليس هذا التأويل كتأويل أركان الإسلام إرادة هدم الإسلام ! .

وأما ما عدا ذلك فإن دائرة الخلاف تضيق فيكاد الخلاف يكون لفظيا لأن الفريقين من يقول بالتأويل ، فيلجأ إلى القرينة ليصرف النص عن ظاهره إلى المعنى المراد ، ومن لا يقول به فعنده ظاهر اللفظ دال على المعنى المراد ابتداء ، كلاهما يصل إلى نفس النتيجة فيكون الخلاف في طريقة الاستدلال لا في ناتجه .

فكما تقدم في قوله تعالى : (وَاسْأَلِ الْقَرْيَةَ) : من يقول بالتأويل يجعل ذلك من مجاز الحذف ، فتقدير الكلام : واسأل أهل القرية ، لقرينة عدم إمكان سؤال المباني والجدران ، ومن لا يقول بالتأويل فإن المعنى عنده قد ظهر ابتداء دون حاجة إلى قرينة ، فالقرية ، كما تقدم ، تطلق أحيانا على السكان ، وأحيانا على البنيان ، والسياق هو الذي يعين المعنى المراد وهو هنا بطبيعة الحال : أهل القرية فالسياق قد صدر بــ : (واسأل) ، والسؤال لا يتوجه بداهة إلى الجمادات .

وكذلك الحال في نحو قوله تعالى : (فَلْيَدْعُ نَادِيَهُ) : اي أهل ناديه ، فذلك ، أيضا ، عند من يقول بالتأويل في هذا الموضع ، من مجاز الحذف ، فحذف المضاف وأقيم المضاف إليه محله ، ومن ينكر وقوع المجاز في اللغة فإنه يقول بأن المعنى ، أيضا ، قد ظهر ابتداء ، فدعوة النادي في معرض التحدي لا تكون لمبانيه وإنما لرواده ، ولكن لما كان السياق سياق تحد حسنت معه المبالغة بتعلق الفعل : "فليدع" بالنادي نفسه ، فليدعه بمن فيه فذلك آكد في مقام التحدي ، فذلك من جنس قولك لخصمك : الحي شاهد عليك ، فلا تقصد ، بداهة ، أن مباني الحي هي الشاهدة ، وإنما تقصد أهله ، ولم يقل أحد بأنه قد تبادر إلى الذهن : المباني ثم جاءت القرينة الصارفة لتصرف المعنى إلى سكان هذه المباني بل قد ظهر المعنى ابتداء كما تقدم . فكلا الفريقين قد وصل إلى نفس النتيجة وإن اختلف المسلك .

وكذلك الحال في حذف الموصوف وإقامة الصفة مقامه في نحو قوله تعالى : (إِنَّا لَمَّا طَغَى الْمَاءُ حَمَلْنَاكُمْ فِي الْجَارِيَةِ) : أي السفينة الجارية ، و : (وَحَمَلْنَاهُ عَلَى ذَاتِ أَلْوَاحٍ وَدُسُرٍ) : فحذف الموصوف : على تقدير : على سفينة ذات ألواح ودسر ، وكنى عنه بصفته : "ذات الواح ودسر" ، فذلك تأويل سائغ ، ومن لا يقول بالتأويل فإنه يرد الأمر إلى السياق فهو دال ابتداء على إرادة السفينة فالمعنى قد ظهر ابتداء لكل تال للآية دون حاجة إلى تكلف التأويل ، فضلا عن كون ذلك مما تكلمت به العرب فصار حقيقة ظاهرة في لسانها كما في قول اليشكري :
هُمْ صَلَبُوا العَبْدِيّ فِي جِذعِ نَخْلَةٍ ******* فَلا عَطَسَتْ شَيْبان إلا بأجْدَعا
أي : بأنف أجدعٍ
فصار حقيقة باعتبار الاستعمال وإن لم يكن حقيقة باعتبار الوضع اللغوي فالأصل فيه : ذكر الموصوف فلا يحذف إلا لنكتة بلاغية كأن يكون معلوما متبادرا إلى الذهن فيكون ذكره حشوا لا لزوم له فذكره يفقد السياق رونقه ، فالجدع صفة تتعلق بالأنف ، فذكرها مغن عن التصريح به ، وإن لم تختص به ، فالجدع يكون للآذان ، كما في قوله صلى الله عليه وعلى آله وسلم : "كُلُّ مَوْلُودٍ يُولَدُ عَلَى الْفِطْرَةِ فَأَبَوَاهُ يُهَوِّدَانِهِ أَوْ يُنَصِّرَانِهِ كَمَا تُنَاتَجُ الْإِبِلُ مِنْ بَهِيمَةٍ جَمْعَاءَ هَلْ تُحِسُّ فِيهَا مِنْ جَدْعَاءَ" ، فصارت تلك قرينة مرجحة لا معينة ، فجاءت نسبة فعل العطس إليه لتعين المراد منه ، فالعطس لا يكون إلا من الأنف بداهة ، فتلك قرينة سياقية أغنت عن ذكر الموصوف دون الحاجة إلى القول بالتأويل ، فالدلالة الحملية للكلام بالنظر إلى الظاهر المركب من اللفظ والسياق معا تعين المعنى المراد ، وإن احتمل أكثر من معنى فذلك إنما يكون بالنظر إلى دلالته الإفرادية ، واللفظ لا يعلم معناه بمجرد العلم بدلالته المعجمية بل لا بد من النظر في السياق الذي يرد فيه ، فهو ، كما تقدم مرارا ، أصل في معرفة مراد المتكلم .

ومثله أيضا :
قوله تعالى : (يَقُولُونَ بِأَفْواهِهِمْ مَا لَيْسَ فِي قُلُوبِهِمْ) : أي بألسنتهم فذلك من قبيل التأويل لقرينة : "يقولون" فالقول لا يكون إلا باللسان فقط لا بالفم كله ، ومن لا يقول بالتأويل فإنه يرد الأمر إلى العلم الضروري عند كل أحد بأن المراد هنا هو اللسان بداهة ، فالفم لا يتكلم ، وإن كانت أجزاؤه تلعب دورا كبيرا في عملية النطق ، ولكن الكلام إنما يجري أصالة على اللسان ، فيكون ذكر الفم كله من باب المبالغة .

ويمكنك أخي سليم أن تنظر في كتب البلاغة في مبحث المجاز المرسل والاستعارة والكناية ..... إلخ من مباحث علم البيان فستجد أمثلة كثيرة لنصوص قال فيها البلاغيون بالمجاز وهو نوع تأويل لاعتماده على القرينة ، وقال بعض المحققين من أهل العلم بأنه محمول على ظاهره المركب ، فدلالة السياق التركيبية الحملية قد عينت المعنى المراد ابتداء ، وكلاهما ، كما تقدم ، سيصل إلى نفس النتيجة مع اختلاف المسلك .

ومثله أيضا :
قوله تعالى : (أَتَى أَمْرُ اللَّهِ فَلَا تَسْتَعْجِلُوهُ) : فمن قال بالتأويل فإن يجعل ذلك من باب استعارة الماضي : "أتى" للمضارع المستقبل : "سيأتي" ، فالمعنى : سيأتي أمر الله ، بقرينة : "فلا تستعجلوه" فهي دالة على عدم وقوعه فلما يأت بعد ، بل سيأتي مستقبلا ، ومن لا يقول بالتأويل فإنه يقول بأن السياق قد دل على المراد ابتداء ، وكلاهما قد توصل إلى نفس النتيجة مع اختلاف الطرق فذلك ، كما تقدم ، مما يهون الخطب ويصير الخلاف : لفظيا في معظمه .

ومثله أيضا :
قوله تعالى : (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلَاةِ فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ) : أي إذا أردتم القيام ، فيكون ، أيضا ، من باب : مجاز الحذف ومن لا يقول بالتأويل فإنه يقول بأن السياق قد دل على ذلك ، فالوضوء شرط صحة في الصلاة ، والشرط يسبق المشروط بداهة فذلك من جملة العلوم الضرورية التي لا تحتاج إلى التأويل ، فتوصل كلاهما مع تباين مسلكيهما إلى نفس النتيجة .

ومثله أيضا :
قوله تعالى : (وَمَنْ كَانَ مَرِيضًا أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ) : أي : فأفطر فقضاء صيامه في عدة من أيام أخر ، أو نحو ذلك ، فقرينة الاقتضاء قد دلت على المحذوف الذي يستقيم به السياق ، فمن يقول بالتأويل يجعل ذلك من قبيل ما تقدم من مجاز الحذف وقرينة السياق فضلا عن قرائن أخر دلت على جواز الإفطار في السفر والمرض ، بل وجوب ذلك أحيانا ، فيفطر المريض أو المسافر ويقضي في أيام أخر ، فتلك هي قرينته في تقدير المحذوف ، ومن لا يقول بالتأويل يجعل السياق ابتداء دالا على هذا المعنى فإنه لا يقضي في أيام اخر إلا من أفطر بداهة ، بخلاف الظاهرية ، رحمهم الله ، الذين حملوا النص على ظاهره المجرد دون نظر في القرائن المبيحة للصيام في السفر أو المرض ، فأوجبوا على المسافر والمريض القضاء ولو لم يفطر فصيامه في عدة من أيام أخر تساوي أيام سفره أو مرضه ، وإن لم يفطر فيهما ، فالخلاف إما معدوم ، أو خلاف فقهي في مسألة فرعية فلا يترتب على القول بالتأويل هنا ما يترتب عليه في الأنواع الخمسة السابقة من إبطال دلالة النص على مدلوله بلا قرائن أصلا ، أو بقرائن واهية .

ومثله أيضا :
قوله تعالى : (وَاخْفِضْ لَهُمَا جَنَاحَ الذُّلِّ مِنَ الرَّحْمَةِ) ، فمن يقول بالتأويل فالمعنى عنده : الذل والخضوع للوالدين ، فكنى عنه بخفض الجناح ولا جناح للإنسان ، ومن لا يقول بالتأويل يجعل ذلك حقيقة فالجناح المراد ليس جناح الطائر ذا الريش ، وإنما هو الكتف فخفضه علامة تواضع وخضوع ، فضلا عن ورود ذلك في كلام العرب ، كما في قول الشاعر :
وأنت الشهير بخفض الجناح ******* فلا تك في رفعه أجدلاً
فأراد الثناء عليه لتواضعه ، فلما تكلمت به العرب صار ظاهرا في لسانها لا يحتاج إلى تأويل ، فكلاهما قد توصل إلى نفس النتيجة مع اختلاف الطريقين كما تقدم مرارا .
قال صاحب "الأضواء" رحمه الله :
"وإطلاق العرب خفض الجناح كناية عن التواضع ، ولين الجانب . أسلوب معروف ومنه قول الشاعر :
وأنت الشهير بخفض الجناح ******* فلا تك في رفعه أجدلا
وأما إضافة الجناح إلى الذل ، فلا تستلزم المجاز كما يظنه كثير ، لأن الإضافة فيه كالإضافة في قولك : حاتم الجود .
فيكون المعنى : واخفض لهما الجناح الذليل من الرحمة ، أو الذلول على قراءة الذل بالكسر" . اهــ


ومثله أيضا :
قوله تعالى : (فَقُولِي إِنِّي نَذَرْتُ لِلرَّحْمَنِ صَوْمًا فَلَنْ أُكَلِّمَ الْيَوْمَ إِنْسِيًّ) : فالمعنى المتبادر إلى الذهن : الصيام المعهود ولكن الصيام هنا مؤول بالإمساك عن الكلام لقرينة : (فلن أكلم) ، فذلك من قبيل البيان عقيب الإجمال ، فأجمل الصوم وإن كانت دلالته على الصيام المعهود أظهر ثم جاء البيان ليدل على أن المراد هو المعنى المرجوح وهو الإمساك عن الكلام فقد كان جائزا في شريعتهم ، ومن لا يقول بالتأويل فإنه يرجع الأمر إلى السياق فقد دل على المراد فلا حاجة إلى تكلف التأويل وقرائنه ابتداء ، وكلاهما ، كما اطرد في هذه الأمثلة ، قد وصل إلى نفس النتيجة مع اختلاف المسلكين .

ومثله ايضا :
قوله تعالى : (وَإِذَا قُرِئَ الْقُرْآَنُ فَاسْتَمِعُوا لَهُ وَأَنْصِتُوا لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ) : فهذه مسألة خلافية معروفة في كتب الفقه ، فمن يحمل القرآن على عمومه فإنه يمنع قراءة المأموم في الجهرية فلا يقرأ خلف الإمام إلا في سكتاته فقط ، وهذا قول الجمهور ، وفيه حمل لظاهر اللفظ : "القرآن" على معناه المتبادر إلى الذهن ، بينما قال الشافعية رحمهم الله بأن القرآن هنا مؤول بالفاتحة فقط وقرينة ذلك نصوص أخرى تدل على وجوب قراءة الفاتحة مطلقا في السرية والجهرية ، كقوله صلى الله عليه وعلى آله وسلم : "تَقْرَءُونَ خَلْفِي قَالُوا نَعَمْ قَالَ فَلَا تَفْعَلُوا إِلَّا بِأُمِّ الْكِتَابِ" ، فحصل خلاف ليس المراد تحريره ، وإنما المراد الإشارة إلى وقوعه فرعا عن التأويل ، ومع ذلك فهو خلاف معتبر ، فهو تأويل في محل يقبل التأويل ، فليس تأويلا لخبر أو لأصل من أصول الأحكام كالصلاة برمتها مثلا ، وإنما هو خلاف في مسألة فرعية من مسائل الصلاة فالخلاف سائغ ، والقول بالتأويل هنا لا يضر كما يضر في الأنواع الخمسة الأولى .

ومثله أيضا : قوله صلى الله عليه وعلى آله وسلم : "لَا صَلَاةَ لِمَنْ لَمْ يَقْرَأْ بِفَاتِحَةِ الْكِتَابِ" : فمن يقول بالتأويل يحمل النفي على : الكمال ، كما هو قول الحنفية رحمهم الله ، فلا صلاة كاملة وإن كانت صحيحة ، لأن القدر المجزئ عندهم قراءة آية أو ثلاث آيات قصار لقوله تعالى : (فَاقْرَءُوا مَا تَيَسَّرَ مِنَ الْقُرْآَنِ) فتلك هي القرينة الصارفة ، أو على الصحة فيكون تقدير الكلام : لا صلاة صحيحة ، فإن الكلام إذا تعذر حمله على الحقيقة واحتمل مجازين : كالصحة والكمال هنا ، فإنه يحمل على الأقرب منهما ، والأقرب هنا هو نفي الصحة ، وأما قوله تعالى : (فَاقْرَءُوا مَا تَيَسَّرَ مِنَ الْقُرْآَنِ) ، فهو محمول على القراءة في قيام الليل ، فهذا خلاف قد وقع مع إثبات كليهما للتأويل لاختلاف الوجهين ، وهو مع ذلك : خلاف معتبر فليس التأويل هنا من الأنواع الخمسة المتقدمة . ومن ينكر التأويل فإنه يحمل الكلام على الحقيقة فلا صلاة فعلا ، بالنظر إلى الوجود الشرعي لا الوجود الحسي ، فهي قد وقعت حسا ، لكنها بافتقادها لركن القراءة لم تقع شرعا فحكمها حكم العدم وإن كان لها وجود في عالم الشهادة ، فهذا الوجه يوافق الوجه الثاني الذي أول فيه النفي بأقرب المجازين وهو نفي الصحة ، فالصلاة في كلا القولين : باطلة وإن اختلف مسلك كليهما في تعيين وجه البطلان .

ومثله قوله صلى الله عليه وعلى آله وسلم : "الْوِتْرُ حَقٌّ" : فقد حمله الحنفية رحمهم الله على ظاهره ، فالحق مظنة الوجوب فجعلوا الوتر واجبا ، وأوله الجمهور بالمسنون على جهة التوكيد فيلام فاعله وإن لم يكن واجبا ، فهذا تأويل قد استند إلى قرينة كون الصلوات المكتوبة : خمس صلوات لا غير ، فهذا تأويل معتبر في مسألة حكمية فرعية فلا إشكال في اعتبار الخلاف ، بغض النظر عن المصيب والمخطئ ، فليس ذلك مقام تحرير الخلاف ، وإنما المراد بيان جواز وقوعه بناء على حمل النص على ظاهره أو تأويله .

فكل تلك النصوص أخي سليم ورد فيها التأويل مع كونه سائغا سواء أدى إلى نفس المعنى الذي يدل عليه الظاهر أو خالفه ، فالخلاف فيه معتبر . وأما الأنواع الخمسة الأولى فلا اعتبار فيها للتأويل لظهور بطلانه كما تقدم .

عذرا على الإطالة مجددا أخي سليم .

والله أعلى وأعلم .

كاتب الموضوع: سليم محمد Apr 10 2010, 03:16 PM
شكرا لك يا اخي مهاجر علي تعبك معي لكني سوف اثقل عليك في هذا السؤال وهو ما المقصود بظاهر الكتاب والسنه او ظاهر اللفظ وهل اهل السنه ياخذون به وشكرا لك وانا اعرف انني سوف اثقل عليك واتعبك ولكن استحملني يا اخي
كاتب الموضوع: مهاجر Apr 11 2010, 07:58 AM
والشكر لك أخي سليم ، لا عليك ، وعذرا على إطالتي عليك :

عند الأصوليين :

الظاهر هو المتبادر إلى الذهن من اللفظ المحتمل لأكثر من معنى ، فله معنى راجح يتبادر إلى الذهن عند إطلاقه وآخر مرجوح لا يعدل إليه إلا بقرينة صارفة معتبرة ، كلفظ الأسد على سبيل المثال فإنه بقطع النظر عن السياق الذي ورد فيه وبالنظر إلى دلالته المعجمية : ظاهر راجح في الحيوان المفترس ، مرجوح في الإنسان الشجاع ، فيحتمله ، ولو احتمالا مرجوحا ، فيفتقر إلى قرينة ترجحه على المعنى الظاهر وهذا حد التأويل عند الأصوليين : العدول عن المعنى الراجح إلى المعنى المرجوح لقرينة صارفة . فيقابل الظاهر : المؤول ، ويزيد عن الظاهر من جهة قوة الاستدلال : النص : فهو لا يحتمل أي معنى آخر ، ولو احتمالا مرجوحا ، فهو قاطع في الدلالة على معناه كألفاظ الأعداد فــ : ثلاثة تدل على الثلاثة جزما فلا تحتمل بداهة اثنين أو أربعة .

هذا نظر الأصوليين ، وهو نظر معتبر له وجاهته لا سيما في مبحث الترجيح بين الأدلة إذا تعارضت فيقدم النص على سبيل المثال على الظاهر لأن النص غير محتمل ، والظاهر محتمل ، ولو احتمالا مرجوحا ، كما تقدم ، فالأول أقوى دلالة .

وأما بالنظر إلى الدلالة التركيبية أو الحملية للفظ بالنظر إلى إليه في إطار السياق الذي يرد فيه ، فيكاد اللفظ يكون نصا في جميع أحواله ، لأن ظاهر اللفظ البسيط ، بالنظر إلى دلالته المعجمية ، سوف ينضم إليه لا محالة قرينة سياقية تزيل الاحتمال وتدل على المعنى المراد : دلالة النص الجازم على معناه ، فكأن القرينة لما انضمت إلى الظاهر البسيط قد صيرته ، كما يقول بعض أهل العلم المعاصرين : ظاهرا مركبا : من دلالة معجمية للفظ + قرينة سياقية فيساوي ذلك : نصا في المعنى المراد بإزالة الاحتمال ، وهذا وجه من نفى وقوع المجاز في اللغة ، فإنه يقول بأنه لا بد من قرينة في السياق ، لا سيما في المسائل الخبرية كما تقدم في المداخلات السابقة في آيات المعية ، على سبيل المثال ، فقد دلت القرينة السياقية في كل آية منها على معنى بعينه ، فصار اللفظ نصا جازما فيه دون بقية معاني المعية ، فالقرينة اللفظية قد صيرته حقيقة في المعنى الذي يريده المتكلم فلا مجاز ، أو : قد صيرته نصا في المعنى الذي يريده المتكلم فلا ظاهر .

وفي غير مسائل الأسماء والصفات كما تقدم يهون الخطب فــ :
أكل الأسد فريسته : المعنى المتبادر إلى الذهن هو : الحيوان المفترس ، وهو المراد فعلا لقرينة السياق التي صيرت الظاهر نصا ، فالأكل من الفريسة قرينة لفظية ترجح المعنى الظاهر المتبادر إلى الذهن وتصيره نصا جازما ، فيحمل اللفظ على دلالته المعجمية فيكون حقيقة في الحيوان المفترس فلا مجاز .
و : تكلم الأسد ، أو رأيت أسدا يرمي في الميدان : المعنى المتبادر إلى الذهن هو : الإنسان الشجاع الذي تكلم فلم يخش أحدا ، أو المقاتل الشجاع الذي يرمي عدوه في الميدان ، وهو المراد فعلا ، مع كونه مرجوحا على اصطلاح الأصوليين في الظاهر ، فالدلالة الراجحة للفظ باعتبار الدلالة المعجمية المفردة دون نظر إلى التركيب أو السياق الذي ورد فيه هي : الحيوان المفترس ، كما تقدم ، والدلالة المرجوحة هي : الإنسان الشجاع ، ولكن لما انضم إلى المعنى المرجوح قرينة سياقية تقويه فتجعله هو المتبادر إلى الذهن صار هو الراجح بل المراد يقينا ، فصار نصا من هذا الوجه ، فمن يقول بالتأويل أو المجاز يقول : تبادر إلى الذهن معنى الأسد باعتبار دلالة اللفظ المعجمية فهو راجح فيها مرجوح في الإنسان الشجاع ، ولكن قد وردت قرينة معتبرة صرفت الظاهر عن معناه الراجح إلى المعنى المرجوح ، فصار ظاهرا بل نصا في الإنسان الشجاع ، وهو مجاز بالنظر إلى استعارة لفظ الأسد للمقاتل الشجاع لعلاقة الشجاعة وقرينة التكلم أو الرمي فلا تكون من الحيوان المفترس بداهة وإنما تكون من الإنسان ، والاستعارة أحد قسمي المجاز ، وعلى كلا الوجهين حمل اللفظ على مراد المتكلم منه سواء بدلالة التأويل أو المجاز ، وعلم في أي موضع أراد المتكلم : الحيوان المفترس ، وفي أي موضع أراد : الإنسان الشجاع متكلما كان أو راميا ، ولكنه توصل إلى ذلك من خلال تلك الخطوات العقلية التي تحتاج إعمال ذهن فيبذل السائر عليها جهدا كبيرا قبل الوصول إلى مراد المتكلم .

وعلى الجانب الآخر يقول من يعتبر الدلالة السياقية في تحديد النص أو الحقيقة : اللفظ لا ينظر إليه إلا من خلال السياق الذي ورد فيه فلا ينظر له على انفراد لأنه لا يدل آنذاك على معنى مفيد فغايته أن يشير إلى دلالته المعجمية ، فلا بد له من سياق مركب يرد فيه ليفيد معنى يدركه العقل ، فإذا نظر إليه من خلال السياق فلا بد أن يدرك المعنى المراد ابتداء ، فيصير الظاهر المفرد وهو لفظ الأسد في هذا المثال + القرينة وهي التكلم أو الرمي يساوي نصا في مراد المتكلم وهو الإنسان الشجاع فهو حقيقة فيه في هذا الموضع بعينه لقرينة السياق فلا مجاز وينتهي الأمر ابتداء .

فكل قد وصل إلى المعنى المراد ، ولكن تكلف الأول ما لم يتكلف الثاني .

ولذلك فإن الأصل الذي رد به أهل السنة تأويلات المتكلمين قد تضمن أمرين :
الأول : الاحتكام إلى السياق كما في الأمثلة التي وردت في المداخلة الأولى من قبيل قوله تعالى : (وَقَالَتِ الْيَهُودُ يَدُ اللَّهِ مَغْلُولَةٌ غُلَّتْ أَيْدِيهِمْ وَلُعِنُوا بِمَا قَالُوا بَلْ يَدَاهُ مَبْسُوطَتَانِ يُنْفِقُ كَيْفَ يَشَاءُ) ، فالسياق قد دل على إرادة معنى الكرم في مقابلة رميهم الباري ، عز وجل ، بالبخل ، ولم يمنع ذلك من إثبات الصفة فتفسيرها بلازمها لا يقتضي نفيها أو تأويلها كما تقدم في المداخلة .
والثاني : رد كل قرائنهم في هذا الباب لأنهم اعتمدوا في تأويلاتهم لصرف النص عن ظاهره على قرائن عقلية ، والباب ، كما تقدم غيبي خبري محض لا عمل للعقل فيه إذ لا يدرك حقيقته فغايته أن يثبت المعنى ، فاليد من أوصاف الذات ، فهو المتبادر إلى الذهن ، وكفى ، إذ لا مطمع في إدراك حقيقة صفة الباري عز وجل لعدم صلاحية قوى العقل المحدودة لذلك .

وقد ذكر ابن تيمية ، رحمه الله ، في التدمرية قاعدة تتعلق بهذا المبحث أشار فيها إلى أن ما توهموا كونه ظاهر اللفظ لما قاسوا صفة الخالق ، جل وعلا ، على صفة المخلوق ، فقاسوا يده ، تبارك وتعالى ، على سبيل المثال ، على يد المخلوق ، وقالوا بأن هذا هو الظاهر فنفوه ، ليس هو الظاهر عند التحقيق ، بل هو ناتج قياس تمثيل أو شمول فاسد فنفيهم نتيجته : نفي صحيح ، ولكن القول بأن هذا هو ظاهر اللفظ غير صحيح ، بل لازمه وصف نصوص الكتاب العزيز الذي هو معدن الهداية والإحكام ، وصفها بأنها موهمة للتشبيه فحملها على ظاهرها مظنة الضلال والتيه ! ، فأي بيان إذن في كتاب هذا وصف آياته ، فالصحيح أنها تدل على ظاهرها ، ولكن : ظاهرها الصحيح بإثبات الصفة للرب ، جل وعلا ، على الوجه اللائق بجلاله دون خوض في كيفيتها ، فالسياق دال على المعنى المتبادر إلى الذهن فهو محكم من هذا الوجه ، غير دال على الكيف فهو متشابه من هذا الوجه لاستحالة إدراك المخلوق كنه وصف الخالق عز وجل .

وعامة ما وقع فيه الإسلاميون من المتكلمين ، وغيرهم كاليهود والنصارى من زلل في هذا الباب إنما كان بالنظر في الألفاظ المتشابهة على انفراد فبتر اللفظ عن سياقه ونظر إليه دون سياقه الذي ورد فيه أو عرف اللغة التي قيل وكتب بها فهي قرينة اخرى في معرفة مراد المتكلم ، فنظر النصارى على سبيل المثال في لفظ الأب : فحملوه على الأبوة المعهودة التي يصير الأب فيها والدا لولده ، فلم ينظروا في السياق الذي يدل في مواضع حتى في لغة العرب على العناية ، فالأبوة لا تستلزم الولادة المعهودة بل السياق يصرفها في مواضع العناية إلى معنى ربوبية العناية بالخلق ، فالرب هو الذي يربي عباده بالنعم شيئا فشيئا ، كما يربي الأب ابنه شيئا فشيئا ، فصار الجمود على اللفظ دون النظر في السياق بأكمله لينظر إلى اللفظ بظاهر المركب الذي تلعب القرينة السياقية دورا مهما في تحديد مراد المتكلم منه صار ذلك الجمود مظنة الضلال وقد كان من أولئك .

والله أعلى وأعلم .

وعذرا مجددا أخي سليم على الإطالة ، ولعل المعنى يكون قد اتضح لك بعض الشيء إن شاء الله .

كاتب الموضوع: سليم محمد Apr 11 2010, 09:30 PM
شكرا لك يا اخي علي هذا الرد ولكني اريد ان افهم ما المقصود ان ظاهر الكتاب والسنه يجب القول به والمصير اليه عند اهل السنه وهل تقصد ان الظاهر هو ما تبادر الي الذهن من معني من السياق ام ماذا وشكرا لك علي تعبك معي وانا اسف اطلت عليك في الاسئله
كاتب الموضوع: مهاجر Apr 12 2010, 08:07 AM
ولك الشكر أخي سليم .

نعم الظاهر ، كما قلتَ ، هو ما تبادر إلى الذهن ، ولكن بالنظر إلى السياق ، لا بالنظر إلى الكلمة بمفردها فلا تفيد في نفسها أكثر من دلالتها المعجمية ، فليست كلاما مفيدا حتى ينضم إليها غيرها ، ولو تقديرا ليتألف من اجتماعهما سياق ، فيكون هذا السياق دالا على المعنى المراد ، كما تقدم في مثال الأسد ، وكيف اقترن به من دلالة السياق ما دل على المراد في كل جملة ، ولو سمي تأويلا فلا إشكال في الاصطلاح ، لأن قرينته سياقية ، فلم يكتف الناظر بمعنى اللفظ المجرد بل ضم إليه القرينة التي عينت مراده ، فالمعنى سيظهر حتما إذا نظر الإنسان إلى السياق بأكمله ، ويزداد الأمر توكيدا في نصوص الأخبار لأن القرائن العقلية مستبعدة في هذه الحال ، كما تقدم ، ويهون الخطب في غيرها حتى يكاد الأمر يكون مجرد خلاف لفظي في طريق الوصول إلى المراد فكل سيصل بالنظر إلى السياق ، كما تقدم ، وبالإلمام بطرائق العرب في الكلام ، فما نطقوا به وجرى على ألسنتهم فهو حقيقة وإن خالف الوضع المعجمي للألفاظ المفردة ، في حديث معاذ رضي الله عنه ، على سبيل المثال : "يا معاذ إني أحبك ...... وفي آخره : ثكلتك أمك يا معاذ" : ظاهر اللفظ دون النظر إلى السياق وإلى طرائق العرب في الكلام : أنه ذم فهو دعاء على معاذ ، رضي الله عنه ، بالموت ، ولكن السياق يأبى ذلك فهو مصدر بما يدل على حب النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم له فكيف يدعو عليه بالموت ؟ ، والعرب قد استعملت هذه الجملة أو التركيب للدلالة على معنى يخالف دلالات ألفاظها المعجمية فظاهرها الدعاء بالموت ولكنها لما استعملت في معان أخرى هي مظنة المدح انقلب المعنى إلى الضد ، فصار مدحا لا ذما ، وكذلك الحال في نحو : "فاظفر بذات الدين تربت يداك" ، فظاهره دعاء بالفقر ، ولكنه مسبوق بالإرشاد إلى أطيب المناكح فتلك قرينة ، وذلك ، أيضا ، مما استعملته العرب على خلاف دلالات ألفاظه المفردة ، فهو دعاء جرى على ألسنتهم مجرى التمليح لا التقبيح ، فتلك قرينة ثانية ، فدل ذلك على المراد بالنظر إلى السياق ، ولو خالف دلالات الألفاظ المفردة ، كما تقدم ، فلسانهم فيصل في مثل هذه المنازعات ، فيدل على معنى دون آخر ، وإن كانت الألفاظ في ظاهرها تدل على ذلك المعنى الآخر ، ولا يقول أحد بأن ما تقدم تأويل بل هو ركون إلى دلالة السياق وعرف اللسان الذي ورد به الكلام ، ولو قيل بأنه تأويل فتلك قرائن صحيحة ، ولا إشكال سواء سمي تأويلا أو لم يسم ، فالخلاف ، كما تقدم ، في غير باب الأخبار الغيبية عموما ، والصفات الإلهية خصوصا لامتناع القرينة العقلية فيها لكونها غيبا محضا ، الخلاف في غير ذلك يكاد يكون صوريا .

والأمثلة أخي سليم لا تكاد تحصى لتعدد مناحي لغة العرب في التعبير عن المعاني فتتبع هذا الباب مما يؤيد ثراء لغة العرب بأوجه الدلالة على المعاني بتراكيب عديدة تضفي على المعاني حللا لفظية قشيبة .


والله أعلى وأعلم .

كاتب الموضوع: سليم محمد Apr 12 2010, 09:20 PM
شكرا لك يا اخي مهاجر واني تعبتك معي واريد ان اسال سؤال وهو ان لماذا اهل السنه ياخذون بظاهر الصفات هل لان لايوجد قرينه في كل نصوص او ايات الصفات تبرر اي تاويل او اي معني اخر وسؤال اخر وهو ما المقصود بظاهر الكتاب والسنه وانه يجب القول بظاهر الكتاب والسنه والمصير اليه وسؤال اخير وهل يوجد فرق بين ظاهر الصفات وظاهر اي ايه اخري غير ايات الصفات وهل ياخذ اهل السنه بنظريه ان الظاهر هو ما تبادر الي الذهن من معني السياق في ايات الصفات وايات غير ايات الصفات وارجو منك الاجابه علي الاربع اسئله ولك مني جزيل الشكر واني خجول منك جدا لاني تعبتك معي يا اخي وشكرا لك
كاتب الموضوع: سراب^ Apr 13 2010, 09:50 PM
أخي اذهب إلى كتاب منحة القريب المجيب في الرد على عباد الصليب ، تجده على الرابط ..

http://www.aljame3.net/ib/index.php?showtopic=5251

في مبحث (معنى: وروح منه) ..

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق