الثلاثاء، 29 يونيو، 2010

نقد دليل حدوث العالم عند المتكلمين


بسم الله

لقد وجدت هذا المقال بعدما خطر لي البحث عما كتب بخصوص دليل الحدوث. ما رأيكم بالمحتوى ؟

نقد دليل حدوث العالم عند المتكلمين


منذر البغدادي
الحوار المتمدن - العدد: 2863 - 2009 / 12 / 20
المحور: دراسات وابحاث في التاريخ والتراث


لعل الدليل الاشهر لدى المتكلمين الذي يستخدم كبداية لاثبات وجود خالق هو ما يعرف بدليل الحدوث والذي صـُدر الى الغرب تحت مسمى Kalam Cosmological Argument وملخص الفكرة من هذا الدليل هو ان اثبات وجود اله مطابق للتصور الاسلامي لابد ان يمر اولاً عبر اثبات حدوث العالم، لان الله هو المبدئ والمبدع فلابد اولا من اثبات صفة الحدوث للعالم وبدايته حتى يثبت ان له مبدئاً، وهكذا لابد من تصور ان تاريخ العالم منتهي الى لحظة زمانية اولى تم فيها خلق العالم من لاشيء. مثل هذا الاسلوب نلمسه جلياً في كتابات بن اسحق الكندي، وتابعه على ذلك الفيلسوف اليهودي سعيد بن يوسف وحجة الاسلام الغزالي(1)

يقدم الكندي عدد من الادلة على استحالة التسلسل اللانهائي للزمان لان الزمان كم والكم لايمكن ان يكون لانهائياً بالفعل، ولو كان كم الزمان لانهائيا فهذا يعني اننا قد قطعنا كماً لانهائيا من الزمان وهذا محال لان ينجم عنه نهاية اللانهائي، فالزمان محدود ولما كان الزمان مقياس الحركة فالحركة محدودة ومنها يـُستنبط حدوث العالم.

ان اول نقد يخطر على بالنا حول هذا النوع من الاستدلالات هو انها مبنية على وجود رياضيات تتعامل مع اللانهائيات، ولكن نحن ليس لدينا رياضيات من هذا النوع، فحينما نطرح دليل يقوم على التعامل رياضيا مع لانهائيات جمعاً وطرحاً وما اليه من عمليات حسابية فاننا نحتج بما نجهل، فنحن لانعرف نتيجة جمع كمية لانهائية مع كمية لانهائية ولانعرف حاصل قسمة كمية لانهائية على كمية لانهائية.

اما النقد الاخر هو ان البديل المطروح لايخلو من اشكال، لان حدوث الزمان والعالم معه يجعل العالم غير حادث زمانياً، لفهم هذه النقطة دعنا نرجع الى تعريف لطفي خير الله للحادث الزماني هو المسبوق ضرورة بعدم، والقديم هو غير المسبوق بعدم (2). فتعريف لطفي للحادث يتضم افتراض ان يكون الشيء لم يكن ثم كان. اي انه مر زمان لم يكن الشيء موجوداً قبلها.

فحتى يكون الزمان حادثاً وفق التعريف المذكور لابد ان يكون مسبوقاُ بعدم اي لابد ان يكون قبل وجود الزمان زمان لم يكن الزمان موجوداً فيه، وهذا تناقض لانه فرض وجود وعدم الوجود الزمان. ثم ان العالم حتى يكون حادث لابد ان يكون قد مر زمن لم يكن العالم فيه موجوداً ولما كان الزمان مقياس الحركة فانه لايمكن ان يكون هناك حركة بلا اجسام تتحرك والاجسام المتحركة معناها وجود العالم الذي فـُرض انه غير موجود. هذا تناقض اخر.

طيب قد يعترض معترض قائلاً: انه لايشترط مرور زمان حتى يحدث حادث وفق المناقشة السابقة، وردنا على هذا يأتي من ملاحظة ان هذا يلزم منه التناقض لانه في اللحظة التي يحدث فيها الشيء سيكون موجوداً وغير موجود، هذا تناقض. فالحدوث بالان محال (3)

الامر الاخر ان كل هذه الادلة تفشل في ملاحظة ان اللانهاية هي لانهاية، فلو انك اعتبرت الزمان يجري على خط للاعداد يمتد في الماضي من اللحظة صفر باتجاه الشمال حيث اللانهاية السالبة. كل لحظة وكل رقم وكل اشارة تضعها على خط الاعداد هي كم محدود ومن الممكن بلا خلاف قطع الكمية المحدودة. المكان الوحيد -بحسب المتكلمين - الذي ينجم عنه كون الكم لانهائية هو الفترة بين السالب لانهاية وبين اي رقم على خط الاعداد، لكن هذه مغالطة لان اللانهاية ليست رقماً موجوداً على خط الاعداد حتى تقيس المسافة بينها وبين نقطة اخرى فاللانهاية رمز وليست رقم، من هنا نعرف ان مصدر المغالطة في اثبات استحالة التسلسل هو في افتراض ان اللانهاية منتهية (لانها اعتبرت عددا محدودا على خط الاعداد) ومن ثم الاحتجاج بان هذا محال. والغلط واضح في التصور السابق.

ختاماً ان الدليل اعم من المدعى لان المدعى وجود اله بينما الدليل لايثبت شيئا سوى ان العالم حادث وله محدث. ان هذا ليس محور الخلاف فالخلاف هو: هل يوجد اله؟ هل توجد ادلة على وجود اله (4)، فالمفروض بالدليل ان يثبت كل الصفات التي ينسبها دين معين الى الاله مثل ان يكون عالماً وحكيما وسميعا وبصيرا ومرسلا للانبياء وخالق للجنة والنار ومنزل للكتب السماوية وما اليه. وهذا ما لانجده في هذا النمط من الادلة.

شكراً.
______________________

المصادر:
1- William Craig, The Kalam Cosmological Argument. London: The MacmillianPress LTD, 1979: pp19-20
2- تحرير عُمْدَة أدلّة المتكلّمين على وجود الله وهو الموسوم بدليل الحُدُوثِ، لطفي خير الله، membres.lycos.fr/philosophie15/Divers/Houdouth.doc
3- بحث بسيط حول الحدوث الزماني، شبكة الطبيعيين الوجوديين، tabee3i.com/page/articles/main.html?record=11
4- ماهو الالحاد؟ او الالحاد في قشرة جوز، شبكة الطبيعيين الوجوديين، tabee3i.com/page/articles/main.html?record=10

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق